عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
464
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ » تعظيما لك ورعاية للأدب « أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ » أي : يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه . قال الضحاك ومقاتل : المراد : عمر بن الخطاب ، وذلك أنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله ، فأذن له ، وقال : « انطلق ، فو اللّه ما أنت بمنافق » يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام ، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد « 1 » إذا استأذنه أصحابه أذن لهم ، وإذا استأذناه أبى ، فو اللّه ما نراه يعدل « 2 » . قال ابن عباس : إن عمر استأذن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في العمرة ، فأذن له ، ثم قال : « يا أبا حفص « 3 » لا تنسنا في صالح دعائك » « 4 » . قوله : « لبعض شأنهم » تعليل ، أي : لأجل بعض حاجتهم . وأظهر العامة الضاد عند الشين . وأدغمها أبو عمرو فيها ، لما بينهما من التقارب ، لأن الضاد من أقصى حافة اللسان والشين من وسطه « 5 » . وقد استضعف جماعة من النحويين « 6 » هذه الرواية واستبعدوها عن أبي عمرو - رأس الصناعة - من حيث إن الضاد أقوى من الشين ، ولا يدغم الأقوى في الأضعف وأساء الزمخشري « 7 » على راويها السوسيّ « 8 » . وقد أجاب الناس عنه ، فقيل : وجه الإدغام أن الشين أشد استطالة من الضاد ، وفيها تفشّي « 9 » ليس في الضاد ، فقد صارت الضاد أنقص منها ، وإدغام الأنقص في الأزيد جائز ، قال « 10 » :
--> ( 1 ) في ب : محمدا . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 24 / 39 . ( 3 ) في ب : أبا جعفر . ( 4 ) انظر الفخر الرازي 24 / 39 . ( 5 ) انظر النشر 1 / 293 . ( 6 ) منهم ابن يعيش فإنه قال : ( والحق أن ذلك إخفاء واختلاس للحركة فظنها الراوي إدغاما ) شرح المفصل 10 / 140 . ( 7 ) فإنه قال في المفصل : ( وأما ما رواه أبو شعيب السوسي عن اليزيدي أن أبا عمرو كان يدغمها في الشين في قوله تعالى : لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فما برئت عن عيب ) متن المفصل - ابن يعيش 10 / 140 . ( 8 ) هو صالح بن زياد بن عبد اللّه بن إسماعيل بن إبراهيم بن الجارود أبو شعيب السوسي الرقي مقرىء ضابط محرر ثقة ، أخذ القراءة عرضا وسماعا عن أبي محمد اليزيدي وحفص عن عاصم ، وروى القراءة عنه ابنه أبو المعصوم محمد ، وموسى بن جرير النحوي ، وغيرهما ، مات سنة 261 ه . طبقات القراء 1 / 332 - 333 . ( 9 ) في النسختين : نفس . والصواب ما أثبته . ( 10 ) القائل ابن مجاهد ، ولم يجر له ذكر قبل ذلك ، والنص الذي ذكره ابن عادل ذكره ابن يعيش في شرحه على المفصل ، قال : ( قال ابن مجاهد : لم يرو عنه ( أي : أبي عمرو ) هذا إلا أبو شعيب السوسي ، وهو خلاف قول سيبويه ، ووجهه أن الشين أشد استطالة من الضاد ، وفيه تفشّ ليس في الضاد ، فقد صارت الضاد أنقص منها ، وإدغام الأنقص في الأزيد جائز ، ويؤيد ذلك أن سيبويه حكى أن بعض العرب قال : اطجع في اضطجع ، وإذا جاز إدغامها في الطاء فإدغامها في الشين أولى ) ابن يعيش 10 / 140 .